رأى الكاتب والدبلوماسي الإيطالي السابق ماركو كارنيلوس أن الرواية التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز حول تجنيد جهاز الموساد للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد بهدف تنصيبه قائدًا لإيران بعد سقوط الجمهورية الإسلامية، تفتقر إلى المنطق الاستراتيجي والأدلة الموثقة، وتستوجب التعامل معها بحذر شديد بدلًا من اعتبارها حقيقة مؤكدة.
ونشر موقع ميدل إيست آي المقال باعتباره تحليلًا للرواية المتداولة، مستعرضًا ما ورد في تحقيق نيويورك تايمز، ثم قدم سلسلة من الملاحظات التي يرى أنها تضعف مصداقية القصة، مع التأكيد أن غياب الأدلة القاطعة لا يسمح بإثباتها أو نفيها بشكل نهائي.
ثغرات استخباراتية تضعف الرواية
أشار الكاتب إلى أن تحقيق نيويورك تايمز زعم أن الموساد أمضى سنوات في استقطاب أحمدي نجاد، وعقد معه اجتماعات سرية في بودابست، والتقى خلال تلك العملية برئيس الموساد ديفيد برنياع، قبل أن يُنقل خلال الحرب من منزله الذي تعرض للقصف في طهران إلى منزل آمن تابع للموساد داخل إيران، ثم يغادره بعد فقدان الثقة بالإسرائيليين.
واعتبر كارنيلوس أن هذه الرواية تثير العديد من علامات الاستفهام، إذ يصعب تصور أن يسافر رئيس الموساد بنفسه للقاء شخصية لم تثبت موثوقيتها بعد، لأن أجهزة الاستخبارات تحرص عادة على حماية قياداتها من هذا النوع من المخاطر.
كما رأى أن استخدام مؤتمر عن التغير المناخي في بودابست غطاءً للقاء شخصية معروفة عالميًا مثل أحمدي نجاد يبدو غير مقنع، خاصة مع الادعاء بأن العملية استمرت لسنوات، فضلًا عن أن إشراك حكومة أجنبية في عملية استخباراتية بهذه الحساسية يزيد احتمالات تسرب المعلومات.
اختيار أحمدي نجاد يفتقر إلى المنطق السياسي
أكد الكاتب أن الرئيس الإيراني لا يمثل صاحب القرار الأعلى في إيران، إذ يحتفظ المرشد الأعلى والحرس الثوري بالنفوذ الحقيقي داخل الدولة، ولذلك فإن أي محاولة لتجنيد شخصية مؤثرة كان يفترض أن تستهدف مسؤولين مقربين من المرشد أو أعضاء مجلس الأمن القومي أو قيادات بارزة في الحرس الثوري.
وأضاف أن اختيار أحمدي نجاد تحديدًا ليقود إيران بعد تغيير النظام يبدو غير منطقي، بالنظر إلى تاريخه السياسي الذي تضمن إنكار المحرقة، والدعوة إلى زوال إسرائيل، وإطلاق تصريحات مرتبطة بالطموحات النووية الإيرانية، وهو ما جعله من أكثر الشخصيات الإيرانية إثارة للجدل على الساحة الدولية.
وأشار أيضًا إلى أن أحمدي نجاد فقد جزءًا كبيرًا من رصيده السياسي داخل إيران، بعدما استبعدته السلطات الإيرانية أكثر من مرة من خوض الانتخابات الرئاسية، كما لم يعد يحظى بثقة التيار الإصلاحي أو المحافظين المتشددين، وهو ما يجعله شخصية تفتقر إلى قاعدة سياسية تؤهله لقيادة البلاد بعد أي تغيير للنظام.
ولفت الكاتب إلى أن صحيفة «هآرتس» أفادت بأن مسؤولين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية شككوا هم أيضًا في واقعية هذه الخطة، وحذروا من أن إسقاط النظام الإيراني قد يمنح الحرس الثوري مزيدًا من النفوذ بدلًا من وصول قيادة مدنية موالية للغرب.
غياب الأدلة يدفع إلى التعامل بحذر
أوضح كارنيلوس أن مكتب أحمدي نجاد رفض الرواية بالكامل، ووصفها بأنها «ادعاءات هوليوودية» لا تستحق الرد، بينما لم يقدم تحقيق نيويورك تايمز أي وثائق أو تسجيلات أو شهادات علنية لمسؤولين استخباراتيين، واعتمد بصورة أساسية على مصادر أمريكية وإيرانية مجهولة الهوية، في حين امتنع الموساد عن التعليق.
ورأى أن قصة بهذه الضخامة، تتحدث عن عملية استخباراتية امتدت لسنوات بهدف تنصيب رئيس دولة سابق على رأس دولة تمتلك برنامجًا نوويًا، تحتاج إلى أدلة أكثر قوة مما هو متاح حاليًا.
وأشار إلى أن الرواية تجمع في تسلسل واحد معظم الأحداث الكبرى المرتبطة بالحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مثل مقتل المرشد الإيراني، واستهداف منزل أحمدي نجاد، وتهريبه سرًا، وفشل انتفاضة كردية، ثم ظهوره في جنازة المرشد قبل اختفائه، وهو ما يجعلها تبدو أقرب إلى حبكة متكاملة يصعب التحقق منها في هذه المرحلة.
وأكد الكاتب أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرواية مختلقة، إذ سبق أن ثبتت صحة بعض التقارير الاستخباراتية التي اعتمدت على مصادر مجهولة، لكنه شدد على أن غياب الأدلة الموثقة، والتناقضات المنطقية، والاعتراضات الصادرة حتى من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كلها عوامل تستوجب توخي الحذر.
واختتم كارنيلوس تحليله بالإشارة إلى أنه لو امتلكت أجهزة الاستخبارات الإيرانية دليلًا حقيقيًا على تعاون أحمدي نجاد مع إسرائيل، لما بقي على قيد الحياة، معتبرًا أن السماح له بحضور جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي، رغم الإجراءات الأمنية المشددة، يشير إلى أن السلطات الإيرانية لا تنظر إليه باعتباره تهديدًا حقيقيًا، داعيًا الباحثين وصناع القرار إلى التعامل مع هذه الرواية بوصفها فرضية مثيرة للجدل، لا حقيقة تاريخية مثبتة، إلى أن تظهر أدلة مستقلة تؤكدها.
https://www.middleeasteye.net/opinion/why-new-york-times-story-mossad-recruiting-ahmadinejad-doesnt-add
https://www.middleeasteye.net/opinion/why-new-york-times-story-mossad-recruiting-ahmadinejad-doesnt-add

